الشيخ محمد الصادقي

302

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

توحيد ، فلعل « هم » في لعلهم يخص المشركين ممن في عقبه وسواهم وإن كان الصدر « فِي عَقِبِهِ » يزهر كأعلى مصداق في صدور المعصومين منهم وبينهما متوسطون أما ذا ؟ بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) . « بل » هنا إعراض عما علّه يفهم من « وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ » أن كلمة التوحيد جعلت عريقة عميقة ثابتة في عقبه ، مندغمة في كيانهم لا يتخلفون عنها خلاف من قبل إبراهيم ، فالرسل الإبراهيميون منذ إسماعيل وإسحاق وإلى موسى وعيسى ومن بينهم من الرسل وسائر دعاة التوحيد رفعوا مشعله وأناروا مناره دون خمول وأفول اتصالا دونما انفصال . « بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ » ولكن هؤلاء المشركون حيث متّعوا وآباءهم وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم زمن الفترة الرسالية بين المسيح ومحمد ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) . . هؤلاء من العقب الإبراهيمي تخلفوا عن تلك الكلمة الباقية وتعرقوا في الشرك ، حيث طال بهم العهد ومتعهم اللَّه جيلا بعد جيل حتى طال عليهم العمر ونسوا ملة إبراهيم ، وأصبحت كلمة التوحيد فيهم غريبة . . « حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ » القرآن بعد غروبه زمن الفترة وجاءهم « رَسُولٌ مُبِينٌ » للحق أوضح بيان لحد لم يسبقه سابق ، وكأن من سبقه من رسل لم يكن فيهم مبين وكلهم في حدّه مبين . فهذا الرسول مبين بنفسه ومبين بكتابه ومبني بمعجزاته ، مبين بمن قبله في بشاراته ومبين بشاهد منه في تربياته : « أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ » ( 11 : 17 ) !